حيدر حب الله

235

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

يختصّ بالعلماء ، وأقصى ما يشترط الوثاقة لمكان الإخبار ، فالأقوى الأخذ بإطلاقه من ذي البصيرة مع عدم العلم بالمخالفة » « 1 » . والتحقيق في المسألة أن يقال : إنّ جوهر الموضوع قائم على ردم الهوّة بين شهادة الشاهد وبين الحاكم الذي يريد الاعتماد على هذه الشهادة ، فكلّما أحرزنا التطابق بين مفادهما وقناعاتهما ارتفعت المشكلة ، وكلّما لم نحرز هذا التطابق ظلّت المشكلة على حالها . وليس هناك في القضية مقاربة نصيّة بحتة ؛ لأنّ المسألة تكاد لا تكون مطروحة في النصوص الدينيّة ، وإنّما هي - على ما يبدو - وليدة الانقسامات بين المسلمين فيما بعد واختلاف معاييرهم في تقويم الأشخاص وفهمهم للعدالة والفسق والوثاقة والمروّة وغير ذلك ، وبالتالي فنحن أمام إشكاليّة يلزمنا فيها وضع حلّ توفيقي ، وأجد أنّ كلّ الآراء السابقة شاركت بالفعل في وضع حلّ توفيقي هنا . وما يترجّح أن يكون حلًا هو الآتي : 1 - إذا بيّن الشاهد أو الرجالي السبب وقدّم تفسيره للموضوع ، واقتنعنا به ، رتبنا الأثر عليه بلا إشكال ، وإذا لم نقتنع به ؛ لاختلاف مفهومي أو غيره بيننا وبينه ، فلا موجب لترتيب الأثر على ما يعتقده هو عنواناً ، بل المهم هو ما نعتقده نحن ، وهذا واضح . 2 - أن لا يبيّن الشاهد أو الرجالي السبب ولا يقدّم تفسيره ، لكنّنا نجزم من الخارج بوحدة المعايير بيننا وبينه ، أو لدينا اطمئنان بذلك ، بحيث يكون احتمال اختلاف المعايير ضئيلًا للغاية ، ففي هذه الحال لا شكّ في ترتيب الأثر ؛ للعلم العقلائي بأنّ ما شهد به متحدٌ في المفهوم والمعايير مع ما نريد ونقتنع ، وهذا كثير الوقوع جداً . وعلى المقلب الآخر ، لو كنّا نجزم أو يحصل لنا اطمئنان عقلائي باختلاف المعايير بيننا وبينه ، كما لو خبرنا إخباراته ورأينا لديه معايير خاصّة في تقويم الأشخاص لا نقتنع نحن بها ، كأن يكون متساهلًا جداً في التعديل بمبرّرات غير مقنعة لنا ، كما يُنقل عن ابن حِبان في

--> ( 1 ) الصدر ، نهاية الدراية : 377 .